ترجمتي

تكمنُ قوّةُ الكاتب في قدرته على أن يتصوّر ويتقبّل أنّه ما دام ما يزال ممكنًا أن نجيب عن السؤال المتعلّق بقوّة الكاتب، فإنّه، في الوقت ذاته، يستحيل أن نقدّم إجابةً ترضي التوقَ الحقيقيَّ الكامنَ خلف هذا السؤال، ذلك التوق الذي ربما لم يتّضح بعدُ للسائل، لأنّ الإجابة التي لا تنفذ إلى قلب السؤال، والتي يعجز السائل عن إدراكها، ليست إجابةً أصلًا، غير أنّ السائل، في خضمّ زمنٍ مضطربٍ بالآمال والرؤى التاريخيّة، لن يدرك أنّ نهاية العالم الوادع قد حلّت، [ذلك العالم] الذي كان يقوم على التلميح المتبادل، وزوال الوشيجة الشعريّة التي كانت تربط بين ثقافاتنا وتشدّها، في مزيج لن يُعوّض من الحبّ والرهافة والرغبة في اكتشافٍ كونيٍّ شامل. ولن يدرك السائل أنّ هذه الوشيجة كانت، منذ مطلع القرن العشرين، تفقد قوّتها تدريجيًّا كما تصوّرها القرن الذي سبقها، وأنّها أخذت، تحت رياح القرن الحادي والعشرين القاسية، تتآكل من بين حجارة الجدران المجيدة التي تحيط بمدننا، حتى غدا هذا القرن الجديد، كما تخيّله القرن السابق، قائمًا على حقيقةٍ جديدةٍ ومخيفةٍ لنا، ألا وهي فكرةُ النموّ المهووس بالربح، الذي يلتهم كلّ شيء، ولا نرى من نتائجه سوى أنّ المكان والفرديّة يختفيان، ويفقدان معناهما الأصيل، إذ لم نعد قادرين على أن نقول، كما كنّا إلى القرن التاسع عشر، إنّ شيئًا ما موجود هنا أو هناك، أو كما كنّا نقول في القرن التاسع عشر إنّه كان موجودًا، لأنّ الأشياء، «وفقًا للحالة الراهنة للمعرفة»، موجودةٌ وغير موجودةٍ في آنٍ، حاضرةٌ وغائبةٌ في الوقت نفسه، والواقع الذي صار أو في طريقه إلى أن يصير ماضيًا هو تجربتُنا الوحيدة، وإنْ كانت عصيّةً على الفهم، فكيف نُبيّن لذلك السائل أنّ زوال الفرديّة ليس سوى إشارةٍ إلى أنّ الجزء القادر من الإنسانيّة على التحوّل ما زال يستعدّ لتبدّلٍ جديد، وأنّنا نرى بأعيننا كيف تغيّرت نظراتُ الأطفال إلى آبائهم، ونظراتُ الآباء إلى أطفالهم، ونظرةُ الشابّ إلى الشيخ والشيخ إلى الشابّ، والمرأةُ إلى الرجل والرجلُ إلى المرأة، وكيف نُفهمه أنّنا أصبحنا بلا وطنٍ ولا دولةٍ ولا رؤيةٍ للعالم، وأنّه في هذه اللحظة الروحيّة الراهنة لا يمكن لأيّ تشبّثٍ هستيريٍّ بالوطن أو الدولة أو العالم أن يغيّر شيئًا من هذا الواقع، وكيف نُقنعه أنّ لا مكان هنا للحزن، بل علينا أن نُومئ بالقبول لما يأتي، وأن نستقبله بوجهٍ ساكنٍ، ببرودٍ يشبه وجهَ باستر كيتون، وأن نتجرّع مرارته كما يفعل البالغون الذين تَعلّموا ألّا ينتظروا عزاءً، كما – إن سُمِح لي في الختام بنغمةِ اعترافٍ شخصيّة – حين عدتُ يومًا إلى بيتي، لا أذكر من أين، في قطارٍ يسير في مساءٍ صيفيٍّ قائظٍ بين الخامسة والنصف والسادسة إلا ربعًا، فاكتشفتُ للمرّة الأولى أنّي لا أشعر بأيّ متعةٍ في الوصول، ومنذ تلك اللحظة لم أعد قادرًا على الإحساس بتلك المتعة، لا لأنّي لا أرغب بها، بل لأنّي، وهذا ما يورثني الكآبة دائمًا، في طريق العودة بالذات أعجز عن الإحساس بها، بينما حين أبتعد عن البيت لا أشعر بارتياحٍ ولا بفضولٍ ولا بأيّ راحةٍ خفيّة، بل بيقينٍ مطلقٍ باليأس، لأنّي أبتعد عن الشيء الذي يُفترض أن أقترب منه دائمًا، ولعلّه سيكون عسيرًا علينا أيضًا أن نُوضح، في ضوء ذلك، أنّنا لم نعد ننتمي إلى ثقافة القرن الذي نعيش فيه، وأنّ هذا هو بالضبط ما تعجز عقولنا القديمة عن تقبّله، أنّه لا مكانَ ولا سبب، وأنّ زمننا لم يعد يبحث عن حقيقة الجمال أو أوهامه البهيّة في الطبيعة الخارجة عن الإنسان، بل انصرف إلى البحث عن أصل الرعب نفسه، ولعلّه فعل ذلك بحقّ، لأنّه لم يعثر في بحثه إلّا على الرعب، إذ أصابه العمى في فظاعة الطبيعة البشريّة ذاتها، وبعد هذا كلّه نصمت، ولا نقول شيئًا، ثمّ بعد صمتٍ يمرّ فينا خاطرٌ واحدٌ نتمتم به: من المستحيل أن يكون كلّ شيءٍ قد انتهى، ومع ذلك فقد انتهى، فلا وطن، ولا دولة، ولا مأوى، ولم يبقَ لنا سوى الكلمات، الكلمات وحدها، إلى الأبد، عن الأمل، وعن إيمانٍ بعيد، وعن كرامةٍ لا نستطيع أن نتخلّى عنها

Posted in

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ