عاد اسمٌ غائب عن الساحة الأدبية السعودية عشرين سنة كاملة. لم يعد بكتابٍ طال انتظاره، ولا بفكرة تدفع القراءة خطوة للأمام، ولا حتى بورقة بحثية نُسيت في آخر درج. فقط… ظهر في مؤتمر عن الرواية، وقدّم مداخلة أو حوارًا أو ورشة، لا أدري، لكن المؤكد أن المشهد الثقافي اشتعل من هناك كما لو أن أحدهم أعلن اكتشاف قارة.

يعاني الوسط الثقافي عندنا من نوبة هوس جماعيّ كلما لمح اسمًا قديمًا يلوح من بعيد، إذ فجأة يبدأ التمجيد، والتصفيق، والمقارنات الفارغة، وحصص التعبير عن الفراغ. البعض يتحدّث عن «عودة الأسطورة»، مع أن الأسطورة نفسها لم تُصدر شيئًا، فيما البعض الآخر “يهبد” هراءً طويلًا يحلل “عودة الوعي والكلمة” وأي بتنجان ومخلل، مع أن الوعي نفسه لم يحضر المؤتمر، والبقية تُعيد تغريد أي جملة بصوت مرتفع، كأنهم يعوضون عن ندرة النص بوفرة الضجيج.

الغريب أنّ لا أحد يسأل السؤال البديهي:

هل عاد بشيء… أو وعد على الأقل بشيء… أم فقط “عاد”؟

لكن طرح هذا السؤال في وسطنا يشبه رفع يدك في فصلٍ دراسي يديره مهرّج: الجميع ينظر إليك كأنك المشكلة ذاتها، وكأن مجرد الظهور إنجاز، ومجرّد الوقوف على منصة يعني أن لديك الحضور المستحق على كل ما كُتب قبلك وبعدك.

هذا المشهد يقول الكثير: الأدب هنا لا يُقاس بالنص، بل بالاسم. ولا بالقيمة، بل بالضجيج. ولا بما يُكتب (وما كُتب هذا العام كثير جدًا)، بل بما يُقال عن الذي لم يُكتب بعد. يكفي أن يعود شخصٌ ما بصورةٍ على المسرح، ليُعاد تدويره كظاهرة، ويعيش الوسط على دخان عودة بدلًا من نار الإبداع.

لو كان الوسط أصدق سعيًا وأهدأ جوعًا للرموز المصنوعة، لكان احتفاله مرتبطًا بعمل، أو بمشروع، أو بنصّ. لكنه مرعوب من الفراغ، فيملأه بأي شيء يتحرك، حتى لو كان هواءً يدور في حلقة.

وفي النهاية، سيبرد كل هذا الصخب، وسيهدأ المزاج العام، وسيتذكر الجميع أن العودة لم تكن عودة فعلية، ولا حدثًا أدبيًا، بل مجرد ظهور على منصة. ولحظتها فقط، ومثل كل مرة، سيبدو كل شيء على حاله: ضجّة بلا محتوى، واحتفال بلا كتاب، ومشهدٌ ثقافيّ يرتّب الأصنام قبل أن يرى النصوص.

ويا للمفارقة: ما زال هذا الوسط يتساءل لماذا لا يأخذه أحدٌ على محمل الجد!

Posted in

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ