في يومنا هذا الذي انتبهتُ فيه إلى ذكرى إطلاق تطبيقٍ شات جي بي تي، أحسستُ أنني ألمس مفصلًا خفيًّا في زمنٍ يبدّل معايير الكتابة من الداخل: زمنٌ يخفّف اللغة حتى تُحمَل كحقيبة في محطة قطار، ويثقلها حتى تتهشّم التجربة إن أسيء حملها. وقبل أن تطفح مرارة السؤال عمّا حدث للإبداع الأدبي عالميًا، انبثق مشهدٌ يتكوّن بذاته؛ السطح الذي نكتب عليه ارتفع ثم انخفض، فتموّجت الكلمات واندفعت، وتحولت الساحة إلى سوقٍ للعبارات: وجوه تلاحق اللمعان، أصوات تعرض نصوصًا مكتملة كأنها خرجت من صندوق أنيق من غير أثر للعرق أو للكفاح الطويل مع جملة واحدة.

وعند هذا الفيض، ظهرت موجة المزيّفين؛ تقدّمت كعاصفة تُعرَف بحركتها لا بإعلانها، تتقن ملامح الحكمة وتلبسها على وجه سريع التبدّل، وتتعامل مع الكتابة كقناع يصلح لكل مناسبة. ومع الاقتراب يتضح أن القناع يتغير أسرع من الطقس، وأن الصوت الخارج مصقول ومُصفّى من التفاصيل والخدوش، يعرف طريقًا مختصرًا نحو الإعجاب ثم يواصل السير فوق ما يكسر، لأن غايته نتيجة فورية: تصديق، أبواب تُفتح من أول طرقة، وصبرٌ يُرى عبئًا.

غير أن الإبداع إقامة طويلة في الداخل، تتطلب عزلةً من نوعٍ ما، وتفرض مواجهة مناطق تتحاشاها النفس في الأيام العادية.

ولهذا تتحرك الكتابة الحقيقية بعكس اتجاه الموجة: تنزل إلى العمق وتعود ببطء، حاملةً شيئًا من طين الحياة وتردّدها، ومن الألم الصامت الذي يعلّم الجملة أن تمشي على قدمين. فالمعنى حين يتحول إلى لافتة يفقد قدرته على تغيير القلب، وحين يصير شبيهًا بعبارة متداولة يفقد خوفه الضروري للحياة. لهذا تحتاج المسودة إلى ارتجاف صغير يذكّر صاحبها: هنا نزاهة ناقصة، هنا نظرة مطلوبة لما وراء العبارة، هنا كلمة لها كلفة ينبغي دفعها كاملة. وفي تلك الذكرى بدا الأمر امتحانًا أخلاقيًا: مسايرة الموجة وتعلّم استعراض اللغة، أو العودة إلى دفتر لا يراه أحد، نحو ورشة يسمع فيها المرء صوت الشطب أكثر من التصفيق، ليبقى ما يملكه وحده: تجربة واحدة، عين واحدة، ذاكرة واحدة، وعمر واحد؛ وعند انقضاء العمر تظل بضع أسئلة منذ قيامتها رافضةً للتجميل: كم جملة قيلت بصدق، وكم جملة اكتفت بالهيئة، وإلى متى نهادن التزييف وهو واضح وضوح الشمس، ومتى يموت قلق السعي إلى المكانة لدى المثقف في هذا الكوكب المشين؟!

وليس لي في النهاية إلا تذكير بأن “الجلود” تشهد أيضًا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Posted in

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ